أبي الفرج الأصفهاني

188

الأغاني

سمعت الواثق يقول : ما غنّاني إسحاق قط إلا ظننت أنه قد زيد لي في ملكي ، ولا سمعته يغنّي غناء ابن سريج إلا ظننت أنّ ابن سريج قد نشر ، وإنه ليحضرني غيره إذا لم يكن حاضرا ، فيتقدّمه عندي وفي نفسي بطيب [ 1 ] الصوت ، حتى إذا اجتمعا عندي رأيت إسحاق يعلو ورأيت من ظننته يتقدّمه ينقص ؛ وإنّ إسحاق لنعمة / من نعم الملك التي لم يحظ [ 2 ] بمثلها ؛ ولو أنّ العمر والشباب والنشاط مما يشترى لأشتريتهنّ له بشطر ملكي . سأل المأمون أن يكون دخوله إليه مع العلماء ثم مع الفقهاء : أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال : سأل إسحاق الموصليّ المأمون أن يكون دخوله إليه مع أهل العلم والأدب والرّواة لا مع المغنّين ، فإذا أراده للغناء غنّاه ؛ فأجابه إلى ذلك ؛ ثم سأله بعد حين أن يأذن له في الدخول مع الفقهاء ؛ فأذن له . قال : فحدّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر أنه كان هو ومخارق وعلَّويه جلوسا في حجرة لهم ينتظرون جلوس المأمون وخروج الناس من عنده ، إذ دخل يحيى بن أكثم وعليه سواده [ 3 ] وطويلته ، ويده في يد إسحاق يماشيه ، حتى جلس معه بين يدي المأمون ، فكاد علَّويه أن يجنّ ، وقال : يا قوم ، أسمعتم بأعجب من هذا ! يدخل قاضي القضاة ويده في يد مغنّ حتى يجلسا بين يدي الخليفة ! . ثم مضت على ذلك مدّة ، فسأل إسحاق المأمون أن يأذن له في لبس السواد يوم الجمعة والصلاة معه في المقصورة ؛ قال : فضحك المأمون وقال : ولا كلّ ذا يا إسحاق ! وقد اشتريت منك هذه المسألة بمائة ألف درهم ؛ وأمر له بها . ما كان يمتاز به في مجلس الواثق : حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني أبو عبد اللَّه بن حمدون قال : كان المغنّون جميعا يحضرون مجلس الواثق وعيدانهم معهم إلا إسحاق ، فإنه كان يحضر بلا عود للشرب والمجالسة ؛ فإن أمره الخليفة أن يغنّي أحضر له عودا ، فإذا غنّى وفرغ سلّ من بين يديه إلى أن يطلبه . وكان الواثق كثيرا ما يكنّيه ، رفعا له / من أن يدعوه باسمه ؛ وكان إذا غنّى وفرغ الواثق من شرب قدحه قطع الغناء ولم يعد منه حرفا إلا أن يكون في بعض بيت فيتمّه ، ثم يقطع ويضع العود من يده . علي بن يحيى يحدث عن تفوّقه في فنه : أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه في خبر ذكر إسحاق [ 4 ] فيه ، فقال : وعارض معبدا وابن سريج فانتصف منهما ، وكان إبراهيم بن المهديّ يناظره ويجادله في الغناء وينازعه في صناعته ، / ولم يبلغه ؛ وما رأيت بعد إسحاق مثله .

--> [ 1 ] في ب ، س : « يطيب الصوت » بالياء المثناة التحتية ، وهو تصحيف . [ 2 ] في ب ، س : « لم يحظ أحد بمثلها » . [ 3 ] السواد : شعار بني العباس كان يرتديه أشياعهم . والطويلة : قلنسوة عالية مدعمة بعيدان كان يلبسها القضاة . ( انظر الحاشيتين رقم 2 ، 3 من الجزء الأوّل من هذا الكتاب ص 414 ، من هذه الطبعة ) . وفي ب ، ح ، س : « سوادة وطيلية » . وفي أ ، ء ، م : « سوادة وطويلة » ، وكلاهما تحريف . [ 4 ] في الأصول : « في خبر ذكره إسحاق فيه » .